محمد بن جعفر الكتاني

257

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

[ 198 - العارف سيدي الحاج محمد الخياط الرقعي ] ( ت : 1115 ) ومنهم : الشيخ الفقيه ، الصوفي النبيه ، الولي الصالح ، النور اللائح ، العارف باللّه ، الدال عليه في سره ونجواه ؛ أبو عبد اللّه سيدي محمد - المدعو : الحاج الخياط . الأنصاري نسبا ، الرقعي أصلا ، الفاسي دارا وقرارا ، ومنشأ ومزارا . أصله - رحمه اللّه - من رقعة : موضع كانت به قرية عظيمة وخربت من بلاد لمطة ، على نصف مرحلة من فاس ، وبه ضريح الإمام الرقعي صاحب الفقهية المشهورة ، ومنه قدم سلف صاحب الترجمة لفاس ، واستوطنوا حومة الشرشور منها . خرج - رضي اللّه عنه - في أيام طفوليته من فاس لبني مستارة ، وذلك بعد موت أمه ؛ فاحتضنته خالة له كانت هنالك ، وجعلت تنظر في حاله ، ووجهته لقراءة القرآن في المكتب مع الصبيان ، ولم يزل عندها حتى احتلم ، وحفظ القرآن وتعلم ، فتوجه بعض أهل تلك القرية في تلك الأيام لزيارة الشريف مولاي عبد اللّه الوازاني ، وكان بقبيلة مصمودة ، فزاره معهم ، فكانت تلك الزيارة سببا في الفتح عليه ، وفي وصول الخيرات إليه ، وصار من ذلك الوقت وهو ملازم لقيام الليل ، في كل ليلة يختم القرآن بالتهجد ، إلى أن مضى له نحو الثمانية عشر شهرا ، وهو في خلال تلك المدة يتردد لزيارة الشيخ مولاي عبد اللّه ويكثر مواصلته وزيارته ، وجوارحه لا تزيد في فعل الطاعة إلا نشاطا ، وقلبه لا يزيد في محبة الشيخ المذكور إلا اغتباطا ، فصارت الواردات تكثر عليه ، والأشياء تنكشف له نوما ويقظة ، ويسمع الهواتف ، ويرى خوارق العادات ، وأنواع المكاشفات . فلما علم الشيخ منه بذلك ؛ أمره بعدم الالتفات إليه ، والتوجه إلى المولى سبحانه والإقبال عليه ، ولمحه مرة بطرفه ؛ وقال له : « يا خياط ؛ عليك بذكر اللّه والصلاة على سيدنا محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ! » . قال - رضي اللّه عنه : « فأبصرت بتلك اللمحة التي لمحني بها العرش والفرش ، ورأيت مكتوبا على العرش : الخياط مقبول [ 230 ] مقبول من عرفه ! » . وكان شيخه المذكور يعده ويقول : « يكون من ولدي كذا وكذا ، وتكون لك زاوية بفاس ، وأصحاب وأتباع » . فكان كذلك ، فإنه - رحمه اللّه - لم يزل مع شيخه المذكور إلى أن بعثه لفاس وجعله عريفا على الفقراء بها . ولما توفي واستخلف بعده ولده سيدي محمد ؛ أقره على ذلك ، وفي أيامه اتخذ الزاوية التي له بالشرشور ، ولما مات دفنوه بها . وتقديم الشيخين المذكورين له مشهور ، وصلاحه عند الناس مستفيض مذكور .